في مثل هذا اليوم، 20 سبتمبر من عام 835م، ولد الأمير أحمد بن طولون، الرجل الذي حفر اسمه في سجل التاريخ الإسلامي باعتباره مؤسس أول دولة عربية إسلامية مستقلة في مصر، بعيدًا عن سلطة الخلافة العباسية في بغداد، لم يكن ابن طولون مجرد والٍ أرسله الخليفة، بل كان نقطة فاصلة في مسار الحكم المحلي بمصر، إذ وضع اللبنات الأولى لدولة امتدت من النيل حتى الشام، لتكون تجربة غير مسبوقة في استقلال القرار السياسي العربي.
دولة محلية في قلب العصر العباسي
جاءت الدولة الطولونية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتزامنت مع ضعف قبضة الخلافة العباسية في بغداد، وقد أدار ابن طولون البلاد بمهارة سياسية وعسكرية، حتى جعل مصر في عهده مركزًا للقوة والنفوذ، ونجح في بسط سلطته على الشام وأجزاء من الجزيرة العربية، لتصبح دولته نواة فكرة الحكم المحلي العربي في مواجهة التبعية للخلافة المركزية.
جامع ابن طولون.. معمار خالد وأسطورة جبل يشكر
من أبرز ما تركه الأمير المحظوظ، جامعه الشهير القائم حتى اليوم في حي السيدة زينب بالقاهرة، والذي يُعد واحدًا من أروع وأقدم المساجد الباقية على الطراز العباسي، شُيّد المسجد فوق ما عُرف قديمًا بـ"جبل يشكر"، الذي ارتبط في الموروث الشعبي المصري بمعجزات الأنبياء، إذ قيل إن موسى ناجى ربه من فوقه، وإن سفينة نوح رست عنده، بل وإن آدم وحواء نزلا عليه من الجنة.
ولطالما ارتبط المسجد بالقصص الشعبية، ومنها ما يُروى عن السيدة نفيسة التي واجهت الأمير حين استغاث الناس بها من ظلمه، وقدّمت له رقعة تحذره من بطش المظلومين ودعواتهم، فعدل من بعد ذلك في أحكامه. كما واجه ابن طولون إشاعات حول مصدر أموال المسجد، فأقسم في خطبة الجمعة أنه بناه من كنز عثر عليه، ليؤكد أن البناء كان من مال حلال.
الحاكم المحظوظ الذي وجد الكنوز
لم يلقب أحمد بن طولون بالمحظوظ عبثًا؛ فقد ارتبط اسمه بالثروة المفاجئة والكنوز المدفونة التي كانت تظهر له في رحلاته، ومن أشهرها ما وقع في الصعيد، حين سقطت قدم فرس أحد غلمانه في الرمال لتفتح نفقًا وجد فيه ألف ألف دينار، أنفق منها على بناء "البيمارستان الطولوني" بجوار جامعه عام 872م. هذا المستشفى كان سابقة في وقته، حيث خُصص لعلاج المصريين مجانًا، وكان معيار شفاء المريض قدرته على تناول دجاجة كاملة ورغيف خبز!
كما تحكي الروايات أن لوحة تأسيس جامعه حملت عبارة دالة: "بخالص ما أفاء الله عليه وطيبه، لجماعة المسلمين ابتغاء رضوان الله"، لتوثّق أن ما أنفقه في أعمال الخير والعمران كان من أرزاق ساقها الله إليه.
قصص طريفة وإنسانية
لم تخل حياة الأمير من مواقف طريفة تكشف عن إنسانيته، من ذلك قصته مع صياد فقير أعطاه عشرين دينارًا، فما لبث الرجل أن سقط ميتًا من فرط الفرح، وهو ما يصفه الأطباء اليوم بـ"متلازمة القلب المنكسر". وعندما حاول الأمير إعطاء المبلغ لابن الصياد، رفض الصبي قائلًا: "أخاف أن تقتلني كما قتلت أبي"، فعلق ابن طولون: "الحق معه، فالغنى يحتاج إلى تدرج وإلا قتل صاحبه".
كما كان حريصًا على تربية ابنه العباس بأسلوب عملي، إذ منعه مرة من الطعام حتى التهم بضع لقيمات رديئة سدّ بها جوعه، ثم قدّم له مائدة عامرة لم يستطع لمسها لشدة شِبعه، فقال له ابن طولون: "إنني أردت تأديبك، فلا تنشغل بما يقل قدره عن الأعظم، ولا تجعل نفسك أسيرة لصغار الأمور فتفوتك كبارها".
الرحيل الغامض والمدفن المجهول
في سنواته الأخيرة، خرج ابن طولون إلى الشام لقمع أحد قواده المتمردين، لكنه أصيب بمرض شديد نتيجة شرب لبن فاسد، فعاد إلى الفسطاط وهو في النزع الأخير، توفي ودفن عند سفح جبل المقطم، لكن العجيب أن مكان قبره ظل مجهولًا حتى اليوم، بلا ضريح أو مزار يليق بحاكم أسس واحدة من أقوى الدول في تاريخ مصر الإسلامية.
إرث لا يزول
رغم مرور أكثر من 1100 عام على وفاته، يبقى أحمد بن طولون رمزًا لحاكم جمع بين القوة والعدل والعمران. فقد ترك لمصر مسجدًا خالداً، ومستشفى سبّاقًا، وتجربة حكم فريدة منحت المصريين لأول مرة استقلالية القرار. أما لقبه بـ"الأمير المحظوظ"، فبقي شاهدًا على رجل فتحت له الأقدار أبوابًا من الثروة والإنجاز، ليظل حاضرًا في ذاكرة التاريخ حتى اليوم.